عدتُ منذ قليل من جامعة دلمون، بعد اتصال تلقيته منهم لتوقيع إخلاء طرف، وذهبت دون فائدة اذ لم تكن معي الورقة وهي بالبيت، وأنا في الطريق كانت خيالات ذلك الوداع الذي كان في صحيفة الوسط، وهو وداعٌ مليءٌ بالعطف والحنان والحب لشخصية مفكرة وأديبة بالثقافة، على عكس فاضل فولاذ الذي كان حزيناً قبل حفل الغذاء "الوداع" للكاتب المخضرم وليد نويهض، لم أكن أنا حزين، فرحيل الأستاذ نويهض كان أقل وطئاً من ناحية الفقد لرحيل الدكتور علي الشريفي والاستاذ رحيم الكعبي من صحيفة الوسط أبان الضربة الشرسة للوسط، نعم لم يكن حزيناً خبر وداع الاستاذ وليد نويهض يوم الأحد الماضي (8 يناير/كانون الثاني 2012) بمعنى الحزن، وإنما كان فقداً كبيراً لفكره الملهم .
كان فقداً كبيراً لفكره الملهم، لثقافته الغزيرة، لعماقة نظرته للحياة، التي عرفتها عندما أحتككتُ معه في جلسات العمل التي تستطيع ان تسميها جلسات العلم، لقد كان يأتي لزميلي في العمل فاضل فولاذ بصفته أرشيفياً، ويقوم وليد نويهض بتجميع مقالاته، وهو عمل شاق، أخذوا فيه شهوراً بأيامها الطويلة، كنت أتلمس هذا الجهد، وأثناء هذا الجهد كانت الحوارات تفتح، يفتتحها بعضها فاضل وبعضها الأستاذ يبدأ بالتحدث، ولاحقاً انجذبت وقمت شخصياً بإبتداء محور الحديث معه، واقعاً لم أكن أعرفه إلا من خلال أعمدته التي لم أتابعها جيداً في الوسط، إلا نادراً وأجدها عصيّة على فهمي.. في المكتب وأثناء الثورات العربية كان ينظّر لنا فيما يحصل، كنت أختلف معه فقط في الثورة السورية، التي له راي فيها كالرأي الغالب في الوطن العربي.
سنفتقده فكراً، أكتبها وفي فمي غصة، لقد قال في حفل الوداع، انا جئت للبحرين العام 2002 كانت الآمال كبيرة في وجوه الناس، أما اليوم فكل شيءٍ قد أختلف.. قد اختلف.. قالها في حفلٍ شمل كلمةً في البدء للدكتور منصور الجمري رئيس تحرير صحيفة الوسط، تكلم بصورة اعتزاز عن وليد نويهض عن الصحيفة وعن ما مرّ بها، تحدث عن كيفية معرفة بالأستاذ وليد، فقد عرفه في بريطانيا العام 1984 عندما كان الدكتور يدرس هناك، وعندما دعى الدكتور للعودة للبحرين وتأسيس الصحيفة بمباركة الشيخ عبد الامير الجمري، أصرّ على دعوة المفكر اللبناني الأصل وليد نويهض "بريطاني الجنسية"، الذي أعتبر المجيء لبلد للتو قد خرج من أزمة، هي مغامرة، ولكنه أتخذ القرار بعد إصرار الدكتور بالمجيء للبحرين، إذ أن قبل مجيئه كان يعتبر أن آخر لحظات حياته العملية ستكون بيروت اذ انه يدير ويعمل في جرائد عربية هناك، ولكن جاءت الأقدار أن يختم مسيرته العملية والتي وصفها بأنها أفضل لحظات في مسيرة عمله، هي البحرين، جاء للبحرين مع زوجته ذات الدور الكبير في حياته وذلك حسب وصف الكاتبة ريم خليفة لها أثناء مشاركتها في الحفل الوداعي، الحفل الذي اقيم في صالة الشهيد الحاج عبدالكريم فخراوي .
لقد كانت الصالة خالية من الكراسي ما عدا منصة الطاولة الشاملة لثلاثة كراسي، للدكتور منصور وللاستاذ وليد نويهض وللصحافي، وبجنب الطاولة على الأطراف عدة كراسي معدودة لزوجة وليد، وكنيتها أم عادل، وهو أبو عادل، وبقية الكراسي شملن لبعض مسوؤلي الوسط، وأما نحن البقية فكنّا واقفين، لقد شعرنا بالتعب قليلاً والجوع خصوصاً وأن الساعة وصلت لـ 2:15 ولم نأكل.. ولكن كل ذلك التعب والجوع نسينا وسط تفاعل العاطفة مع كلام الدكتور، وبعده الأستاذ وليد .
كانت المفاجأة الجميلة، هي توقيع الأستاذ وليد نويهض لكل الموظفين، وهي "مؤلفاته" التي كنت أطمع في شراءها، خصوصاً بعد معرفتي للوليد الشخصية أثناء حواراته لنا، انا وفاضل، فقد قال الدكتور منصور ان هذه المؤلفات لكم لتذكرون وليد نويهض بعد وداعه للبحرين، وفعلاً اقتنيت الخمسة مؤلفات له، وكلها الفها في البحرين ومن اصدارات الوسط، والكتب هم ما تروهم في الصورة بالأعلى .
في وداع الأستاذ وليد نويهض، لا أستطيع أن أعرفكم عليه إلا أن تقرأونه، وللأمانة التي أنقلها لكم، فـ وليد من الأشراف الذين ثبتوا على مبدأهم، رغم أنه من المذهب السني، لكنه كان مبدئياً، كان يقول الحقيقة، يقول الصح والخطأ، ينتقد، يعبر عن رأيه بكل استقلالية، انه شخصية مرموقة، اتذكر احدى قراءاته للوضع الحالي في البحرين بقوله "انكم تعيشون التغيير الآن، أنتم لا تشعرون به، من يتابع الشأن البحريني من الخارج يراه يتبدل، عملية التغيير بطيئة" كلماته تبشيريه، انه لا يجامل، اذا ما عجبه موقف شخصٌ معيّن يقول ذلك، انني احترمه أشد الأحترام، سأبقى أتذكره، وأتذكر فاضل فولاذ الذي جمعني معه .
انتهت كل الكلمات، التي شارك فيها ايضاً الكاتب محمد عبدالله محمد، والدكتور عبدالنبي العكري، وبعدها تم إهداء وليد هدية، وبعدها ودعناه، وقلت له عندما جاء دوري "اهلاً ابو عادل، بنفتقد فكرك"، وذلك محاضراته الثقافية .
0 comments:
إرسال تعليق