قال لي بأنهم "يكَسمون" في العزاء، وهي تعني "يقسمون" وكان يتحدث عن ذكرياته، وكونها تتجسد في الموكب الذي كنا نسير فيه، حسين، الذي دونت عنه في التدوين السابق، كان يتحدث لي عن ذلك الشربت الذي أشرت له أيضاً، وأنك إن لم تشربه في العاشر والأربعين فعليك الإنتظار للعام القادم، وأعود إلى كلمة يقسمون، فعندما قالها، كان ذهني قد ذهب لشيءٍ آخر مما كان يرنو له ان يشير له..
كان ذهني قد فهم كلمة يقسمون إلى إقتسام العزاء، والسبب أختلاف اللهجات بين القرى جعلني أفهم شيء استباقي لما كان يريد ان يقوله حسين، فهو كان يشير الى اقتسام الشربت على المعزين، لماذا فهمت انا خطأ؟، لان في لهجة قريتنا نقول "يوزع" الشربت، من كلمة توزيع، أما حسين فقد قال يقسم، واثنتاهما صح..
تعالوا قليلاً لنعود إلى صباح يوم الأربعين، حيث في عزاء قريتنا، كنت مع أخي صادق أعزي، وفي نهاية العزاء، توقفنا عند مسجد ابي ذر الغفاري، وهو مأتم أيضاً، وتعود إدارته لعائلتنا، وهناك تتجمع العائلة، فوقف أخي "يسولف" مع محمد جواد ابن عم أمي، وكانوا يتحدثون عن ذكريات الماضي، فـ أشار أخي إلى طرفةً من المصادفة أن توصل خيوطها مع الآخر.. كيف؟
كانوا يتحدثون عن الماضي، وأشار أخي للمنزل الذي بجانبنا وهو قديم البناء وقال عندما عدت في السبعينات من النجف، كان هذا المنزل للتو قد وضعت أساساته، وكانت للتو أيضاً قد وضعت "الصبيّة" وهو "الإسمنت" وكان لا يعلم وقد مرّ عليه وألتصق نعاله "الزنوبة"، فتفاجأ وقام بترتيب الإسمنت مجدداً ولكنه لم يستطع إنتشال "النعال"، وكان أخي آنذاك صغيراً فخاف أن يضرب على ما ارتكبه خطئاً فسكت.. وبني على شعث النعال ولا زال حتى اليوم لو يهدم البيت لرأيت الشعث مكانه!
المفاجأة التي أحضرها معهم، أنني أعلم عن منزل محمد جواد ابن عم امي، حكاية مشابة الى حدٍ ما، فعندما كنا صغاراً سمعت من أحد شباب العائلة، وهو الآن قد كبر، أنه.. أنه كان يشرب "جقاير" التدخين في منزل محمد جواد، وهو منزل لم يكمل بعد، حيث كان يُبنى، وعندما أنتهى، أراد إخفاء علبة التدخين لكيلا يراه أحد من أهله، وقام بإخفاءه في طابوقة، ذلك أن الطابوقة كانت أسفلها فتحات، فسقط في أسفل طابوقة، من إما غرفة الطعام المطبخ، أو في الحمام، تلك الحكاية سمعتها من لسانه، وللمصادفة أن يذكر صادق قصة مشابهة لها، أمام راعي المنزل محمد جواد!
ولا زال شعث النعال هناك، ولا زالت علبة التدخين هناك، إلا أن أضع إحتمالاً من عندي شخصياً، أن يكون أحد العمال قد رأى أثناء البناء شعث النعل وأزاله، وهناك قد رأى عامل تسليك الكهرباء علبة التدخين فسحبها!
ولنعد الى حسين، حيث هو من السنابس، وللإختلافات القليلة بين لهجتنا وهم، جعلني أفكر في كلمة إقتسام، هو قسمة العزاء، وللخيال هذا ليس بعيد.. فقد كنا نتحدث عن الفراغات التي تحدث في موكب عزاء السنابس، ومشابهتها لما يحدث في موكب بن سلوم في المنامة.
اختلاف اللهجات يجعل المرء في فهمٍ مختلف، لكن أن يدرك ذلك في وقتٍ سريع، ذلك إستدراك..
من حسين وإلى موكب عزاء بني جمرة صباح الأربعين، حيث كان المتفرجون على الموكب أكثر حضوراً من المعزون، ذلك أن صباح الأربعين يكون عادةً عزوف من الشباب من العزاء الى المشاهدة على عكس من ايام عشرة المحرم او ليلة الأربعين وليالي الوفايات..
تفرجنا في البداية على الخيول التي كانت أمام العزاء، وهي تشبيه لموكب السبايا، المسافر عبر الأوطان، وبعد التفرج، وسلام صادق أخي على مجمل رجالات بني جمرة، ذلك أنه يمتلك شعبية بينهم، فهو وصول، وأتزود منه هذه المثل..
0 comments:
إرسال تعليق