لقد قال لي كلامٌ أحترمه جداً، فنحن بحاجة لأن نتوقف عليه، ونحلل جزيئاته، ونستطيع القول بأننا فعلاً بحاجة إلى إعادة تساؤلات، لقد قال لي كلامٌ أحترمه جداً، بل وفتح أفقاً كنت أتساءل عنه مسبقاً، قال عمي الجديد منصور حول عدم قبول الناس تصوير مواكب العزاء من قبل الأجانب في الماضي، أنه من دواعي الخوف من الإستهزاء، وواقعاً يعيدني هذا الأمر إلى الروائي البحريني فريد رمضان، والذي قرأت له عدة روايات، من ضمنهم واحدة أوقفتني متفكراً، بل وجعلتني واحداً من تلك الأزمان، ذلك أن فريد كتب عن فترة زمانية بحرينية في أزقات النعيم والمنامة في بداية العام 1900 وما بعده من السنوات، وكان يركز على العلاقات الأسرية، التي تظهر شدة الزوج تجاه زوجته، خصوصاً معاملة المجتمع للمرأة، وهو واقع كنت اسمعه من الآباء، فقد كانت تعامل الزوجة كـ الخادمة والعاملة، بل كالماكينة التي تفعل ما يريده الآمر، ووصف فريد كان جداً دقيق، كان يفصل العلاقة الجنسية، كيف كان يهجم الزوج اوقات تعبه وعودته من السوق على زوجته غاصباً ارادتها بالجنس، هذا النوع يوضح لنا ان لا قيمة لكلمة المرأة آنذاك، وأشار إلى أشياءٍ أستغربت منها فهي لا تزال في العاصمة المنامة، أشار لفتاة معروفة على مستوى "فرقان-أحياء" المنامة معروفة بقلة الحياء، بل ويفصل ذلك فيما تتعرض له من تحرشات صبيانية، وهذا ليس تأليفٌ حديث، بل كما سمعت من الآباء أن في المنامة كانت بالسابق ايضاً يوجد أوكارٌ للفساد، إذن لا قيمة للمرأة في المجتمع التقليدي القديم، ذلك أنه لا يعني لا وجود للوعي وللعمل الإجتماعي، ذلك أن الوعي متنامي، ولولا وجود الخطأ لما وجد الوعي وأرتفع الناس عنه للأصح، نعم يوجد في المجتمعات القديمة، مجتمعٌ عامل، يكد ويتعب لأجل ذويه، هذا المعنى يجرنا للرد على من يستهزأ بالسابق من الأزمان، بأنهم لا يملكون شيءٌ مما لدينا اليوم، ولنضع علامات استفهام، فما هو التطور، ثم لماذا نتهرب من الماضي لنقف على ارجل الحاضر، لماذا لا نعتبر أن الماضي هو خريطة هو سُلّم وسبيل لما وصلنا إليه اليوم، إن الإرتكاز على الماضي يشكل قوة للفرد، تلك القوة التي تتشكل في تجارب الماضي المتجددة اليوم .
أريد التوقف أكثر على الماضي، فنحن بحاجة لننقب على مفاصل التشابه، وأرجوا أن نضع التطور الشكلي جانباً، ذلك بأن الإنسان بما هو إنسان كيف تدرج لإنسان اليوم، ويذكرني تطور الشكل، بمسلسل طاش ما طاش، في أحدى حلقاته عندما يعود الممثلان عبدالله السدحان والآخر إلى الماضي عبر بوابة خيالية، يلتقون فيها بصلاح الدين الأيوبي وشخص ثاني فاتح الأندلس، ويتحدثون في محادثة قصيرة، ويسأل صلاح عن العرب، فيرد عليه السدحان، "اليوم احنا تطورنا، عندنا أحسن منكم، عندنا مكيفات عندنا ثلاجات عندنا كهربة، وهواء بارد يدخل علينا وقت ما نبي"، فيقف صلاح متعجباً وسائلاً اياه واين وصل حال العرب واين الاندلس، فيرد صديق السدحان " وين انت عايش من زمان كلشي تغير، الاندلس يسمونها اليوم اسبانيا..الخ" وهنا يغضب صلاح الدين الأيوبي وفاتح الاندلس على حال العرب الذي وصل للرخاء دون ان يتفكر في من حوله في قضاياه في مجتمعه، فيقومان بطردهما وذلك "برفسةٍ كوميدية".
إن هذا المشهد يوضح لنا أن التطور ليس هو الافضل في كل شي، ويبين لنا كيف اننا بحاجة للنظر لقضايا عصرنا ومجتمعاته، ذلك انه يحثنا على ان لا نسخر من الماضي، بل قد يكون الماضي هو ما يسخر من حالنا، الذي يعتمد على التطور الشكلي دون الداخلي "الباطني".
لقد قال لي كلامٌ أحترمه جداً، فنحن بحاجة لأن نتوقف عليه، ونحلل جزيئاته، ونستطيع القول بأننا فعلاً بحاجة إلى إعادة تساؤلات، لقد قال لي كلامٌ أحترمه جداً، بل وفتح أفقاً كنت أتساءل عنه مسبقاً، قال عمي الجديد منصور حول عدم قبول الناس تصوير مواكب العزاء من قبل الأجانب في الماضي، أنه من دواعي الخوف من الإستهزاء .
لقد كنا نشاهد التلفاز قبل أربعين الإمام الحسين عليه السلام بيوم، وكنا نشاهد تحشد مواكب العزاء لكربلاء، وكان أن انفتح موضوع المواكب الحسينية البحرانية سابقاً، وانه لماذا لم يكن يرضى المجتمع بان تصور مواكبه، ذلك بأن المصورين الأجانب كانوا يلتقطون صوراً للموكب من على بُعد، أو من زاوية لا يراهم الناس منها في البحرين، وتوصل عمي لنتيجة سببية نقلها من الماضي للحاضر، ذلك الخوف من الإستهزاء بالشعائر الحسينية، ولا ننسى أن الأزمان الماضية، كانت "التقية" حاضرة بقوة، فكان مجتمعنا الشيعي يخاف على نفسه من الظلم، فلا يظهر ما يفعله حفاظاً على المذهب .
وتعالوا أكثر لنوضح معنى الإستهزاء بالشعائر الحسينية، فقد جمعني لقاءٌ مع أحد رجالات القرية الكبار في محادثة جماعية بجانب الجامع المجانب لمنزلنا، حيث يقول أنهم عندما كانوا في المدرسة الثانوية آنذاك لربما نهاية الستينات للسبعينات، كان الطلبة يصنعون تركيباً لبعض الشخصيات بالكمبيوتر، "والكمبيوتر" كان نادر الوجود آنذاك، ولذلك هو بالمدرسة فقط، يقول انهم يصنعون تركيباً، فيضعون رأس أمرأة على جسم رجل ضخم .
هذا الوضع في زمن قليلٌ فيه الكاميرات، قليلٌ فيه الفيديو والصور، وهذا يعطينا خلفية إضافية لخوف البحارنه على مواكبهم من المصورين واستهزائهم، ذلك أنهم كانوا يمنعون أشد المنع من كان عنده كاميرة ليلتقط صورةً للموكب، بل وحسب المصادر الأخرى التي اسمعها أنه حرام، وللحرام مصدر، قبل ان ندخل للحرام، يجب أن أؤكد على تواجد مراحل "للوعي" في المجتمع هذا الوعي، هو ما يجعل المجتمع من التفكير حول ماذا سيفعل بالصورة، والخوف على المواكب من الاستهزاء .
نعم تعالوا الى الحرام، وجميعنا نعلم تقريباً بأن مجتمعنا كان يرفض التكنلوجيا وتحديداً التلفزيون، ويعتبره حرام، ذلك أنه يرتكز على خلفية معينة، فعندما ظهر التلفزيون ظهرت معه مسلسلات بدائية، كانت أغلبها غربية، والغرب آنذاك هو الغرب الآن ليست لديه حواجز بين الحلال والحرام خصوصاً في إظهار المرأة عارية، هذا الشيء كان مستنفراً منه في مجتمع بحراني تقليدي جداً، وهذا يظهر لنا نوع من الوعي آنذاك، وعي الخوف من انتقال هذا الفساد للمجتمع، والخوف على المرأة، رغم أن المرأة كان أعتبارها أقل من اليوم، إلا أنهم كانوا يخافون عليها من الإنجرار وراء مظاهر التلفاز الغربية، فلذلك كانت كلمة الحرام، المطلقة على التلفاز واقعة بقوة، ومن يرى لديه تلفاز، يُعاب، ويُحارب، ولذلك انطبع هذا التصور وهذه الخلفية لاحقاً على السينما، وربما التصق نوعاً مع الكاميرا، كاميرة الفيديو والصور .
إن تشكل الوعي في أزمنة المجتمعات، هو تحضرٌ بعينه، فالحضارة والوعي، ليست فقط بالتطور التكنلوجي، بقدر ما هو وعيٌ ذاتي، وداخلي "باطني"، للإنسان، يجعله يفكر، ويحلل، ويستنتج، وينفذ .
ولذلك هذا ما يجعل تصوير العزاء مستنكر، والتلفاز حرام، وهذا ما يكشف لنا تنوع المجتمع آنذاك حول المرأة، المرأة الفاسدة، والمرأة التي يخاف عليها أن تفسد، في مجتمعٍ قديمٍ، في زمانٍ سبق ظهور الكهرباء ومعرفة النفط، كان الناس يعيشون الوعي، الوعي الذي تطور لنا اليوم، ما هو إلا نتاج ماضي يرتكز عليه حاضرُنا .
0 comments:
إرسال تعليق