الخميس، 15 يونيو، 2017

كنت اخشى الكتابة القانونية خشية الفشل والخجل

بتُ مؤمناً على أن من يجرب المحاكم الجنائية يصبح مستأسداً في المحاكم المدنية، على سبيل المثال، ترقية وكيل نيابة الى درجة قاضي مدني، تجد ان سلوك القاضي المدني هذا تشابه سلوك القاضي الجنائي، على عكس ان القضاة الذين لم يكونوا وكلاءاً للنيابة او عملوا بالنيابة العامة، فتجد ان سلوكهم أقل احتداماً مع الخصوم. 

هذه الفقرة أسقطها عليّ انا شخصياً الذي مارست كثيراً العمل في المحاكم الجنائية، اجد نفسي عندما بدأت العمل في المحاكم المدنية مستأسداً على الخصوم، ذلك الخصم الذي علّى صوته في دعواي، علّيت صوتي عليه من صميم طلبات الدعوى، اعتقد بأن هذه الجرأة اكتسبتها من المحاكم الجنائية التي تتطلب الصلابة. 

القضاة الجنائيون فيهم من الصلابة ما يُعلِّمُك كيف تتحدث معهم حينما يديرون الجلسة التي يُقاضى فيها متهم بجسده يقف أمام المحكمة، على عكس القضاة المدنيون الذين يحكمون أوراقاً من الدعاوى فهم مرنون أكثر، ولا يتطلبون حديثاً كثيراً من المحامي. 

اعتقد بان التجربة الماضية، كانت تجربة قسرية عليّ اذ مارست المحاكم الجنائية ليس رغبةً مني، وانما لان ما املكه من قضايا كانت فقط هي الجنائية، اللغة الجنائية في الكتابة الصلابة الصرامة هي لغتي في المحاكم المدنية، كنت اشك في قدراتي انني استطيع ان اكتب في المدني ام لا؟ عرضت ما كتبته على زميلي الذي نتقاسم مع بعضينا الكتابة للدعاوى، فقال لي "ممتاز"، هذه الكلمة دفعتني لأن أثق في نفسي أكثر. 

يجدر القول ان أول من كسر حاجز الخوف في نفسي من المحاكم، هو الأستاذ حسن علي اسماعيل، الذي دربني على كتابة المرافعات المدنية والجنائية في مكتبه طيلة عامٌ واحد، له الفضل الكثير عليّ، قبلها كنت اخشى من الكتابة، اخشى ان اكتب وافشل، اخشى ان اكتب واخجل، اخشى ان اكتب ويضحكون على ما كتبت، لكنه عندما وقعت معه عقد العمل الفردي في نهاية العام 2015، وضع أمامي دعوى لا زلت اتذكرها، دعوى فيها تقرير خبير، وقال لي اكتب، واطبع لي ما كتبته لأطلع عليه! ثقة عظيمة.. كم هو عظيم المدير الذي يثق في موظفينه؟ ويزرع في انفسهم الثقة وحس المسؤولية. كتبت وعرضته عليه، وعدل عليه القليل، ووافق عليها وجلعني اقدمها للمحكمة رغم ان المرافعة كانت فقط ورقةٌ واحدة! وثاني مرافعة طلبها مني كانت في وقت قياسي اقل من ساعة واحدة بين الجلسة وبين كتابتها، فقد كانت فكرتها بسيطة، ولذلك كانت ايضاً متكونة من ورقة واحدة، هذه الورقتين كسرا حاجز الخشية من المحاكم، هذه المحاكم ماذا تريد منك؟ تريد منك كلاماً مرصوفاً على الورق، إذن قدمه لها، وهي ستتطلع عليه، وستحكم في الدعوى... 

عندما أعود لأقيّم تجربتي في المحاماة أقول بأن المحاماة التي كتبت عنها بانها الفشل والنجاح، هذه المهمة يومٌ تفرحك ويومٌ تحزنك، فدخولي في الكتابة المدنية مثلاً، جعلني متقدماً في دعاوى، وجعلني متأخراً في أخريات.. هذا التقدم والتأخر يجعلني اتعلم، لماذا؟ لأنني ببساطة اقرأ النصوص القانونية واحكام التمييز وغيرها من الكتب القانونية... ان الممارسة يا أحبائي القراء تقوي المحامي. 

اكتفي بهذا المقدار. .. 

ودمتم بود 
إرسال تعليق